ابن تغري
472
المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي
وكتب إلى الملك الناصر كتابا فيه : الذي أعرفك به أنني قد رجعت لأقلدك بغيك ، فإن حبستني عددت ذلك خلوة ، وإن نفيتنى عددت ذلك سياحة ، وإن قتلتني كان ذلك لي شهادة . فلما سمع الناصر ذلك عيّن له صهيون ؛ فسار الملك المظفر إليها مرحلتين « 1 » ؛ فتكلم فيه ؛ فرده الناصر ، وأحضره قدامه ، وسبه ، وعنفه ، وعدد عليه ذنوبا ، ثم خنقه قدامه بوتر حتى كاد يتلف ، ثم سيبه حتى أفاق ، وعنفه ، وزاد في شتمه ، ثم خنقه حتى مات في شهر شوال سنة تسع وسبعمائة . وكان المظفر ملكا ثابتا ، كثير السكون والوقار ، جميل الصفات ، ندب إلى المهمات مرارا عديدة . وكان يتكلم في أمر الدولة سنين عدة ، وحسنت سيرته . وكان يرجع إلى خير ودين ومعروف [ 105 ب ] تولى السلطنة على كره منه . وله أوقاف على وجوه البر والصدقة ، وعمّر ما هدم من الجامع الحاكمي داخل باب النصر « 2 » من القاهرة « 3 » بعد ما شققته الزلازل . وأنشأ الخانقاه داخل باب النصر - المعروفة قديما بدار الوزارة ، وهي الآن معروفة « 4 » به - .
--> ( 1 ) « برحلتين » في ط ، ن ، وهو تصحيف . ( 2 ) « الناصر » في ط وهو خطأ . ( 3 ) « القلعة » في ن وهو خطأ . ( 4 ) خانقاه ركن الدين بيبرس : كانت من أجل خانقاوات القاهرة بنيانا واتساعا وصنعة . يدأ بيبرس بناءها وهو أمير في سنة ( 706 ه / 1306 م ) . وبنى بجانبها رباطا كبيرا يتوصل إليه من داخلها ، وجعل بجانبها قبة بها قبره . ولما كملت في سنة ( 709 ه / 1309 م ) قرر بها أربعمائة صوفي وبالرباط مائة من الجند وأبناء الناس الذين قعد حالهم في تلك الأيام ، وجعل بها مطبخا ، ورتب لهم اللحم والطعام والخبز والحلاوات . ورتب بالقبة درسا للحديث الشريف ، له مدرس وعنده عدة من المحدثين ، ورتب القراء بشباك الخانقاه الكبير الذي أتى به من بغداد ، ووقف عليها عدة ضياع من أرض مصر بالوجهين القبلي والبحري ، والربع والقبسارية بالقاهرة . الخطط ، ج 2 ، ص 416 - 417 .